أميرة حمادة
لم تعد المنافسة بين المدن العالمية تقاس بعدد الأبراج الشاهقة أو ضخامة المشاريع العقارية فقط، بل أصبحت قدرتها على حماية الاستثمارات وضمان استمرارية الأعمال عاملا حاسما في جذب رؤوس الأموال، وفي ظل تصاعد المخاطر المناخية والتهديدات السيبرانية وتعقيد البنية التحتية، يتجه المستثمرون إلى تقييم العقارات من منظور جديد يضع “المرونة” في صدارة الأولويات.
هذا التحول يعيد تعريف مفهوم القيمة العقارية، فالمشروع الذي يستطيع مواصلة عملياته خلال الأزمات، والتكيف مع المتغيرات، والتعافي بسرعة، بات يتمتع بجاذبية أكبر لدى المستثمرين مقارنة بالمشاريع التي تعتمد فقط على الموقع أو التصميم المعماري.
ويقول صلاح سردوق، مؤسس شركة Apex Atlas Global، إن المرونة والأمن لم يعودا عناصر يمكن إضافتها بعد اكتمال المشروع، بل أصبحا جزءا أساسيا من عملية التخطيط منذ المراحل الأولى، موضحا أن القطاع انتقل من بناء المباني إلى تطوير بيئات قادرة على التكيف مع المتغيرات التشغيلية والتقنية والأمنية، بما يحافظ على استمرارية الأعمال ويرفع ثقة المستثمرين.
معيار جديد للاستثمار
هذا التحول ينعكس أيضا على قرارات الاستثمار، فالمستثمرون باتوا ينظرون إلى الأصول القادرة على مواجهة الاضطرابات باعتبارها أقل عرضة للمخاطر وأكثر قدرة على الحفاظ على قيمتها على المدى الطويل، خصوصا مع تزايد التقلبات الاقتصادية والبيئية.
ويرى سردوق أن البنية التحتية المهيأة للمستقبل أصبحت أكثر قدرة على الحد من المخاطر التشغيلية طوال دورة حياة المشروع، وهو ما يرفع كفاءة الأصول ويحافظ على قيمتها الاستثمارية، ويضيف أن التصميم المرن لم يعد يقتصر على قوة الهيكل الإنشائي، بل يشمل استمرارية الأعمال، والبنية التحتية القابلة للتكيف، وكفاءة الطاقة، والجاهزية التشغيلية.
الخليج يمتلك فرصة استثنائية
ويعتقد خبراء القطاع أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك فرصة نادرة لقيادة هذا التحول، نظرا لأن العديد من مشاريعها الضخمة يجري تطويرها من الصفر وفق رؤى طويلة الأجل، بدلا من تحديث بنية تحتية قائمة.
ويشير سردوق إلى أن هذه الميزة تمنح المنطقة القدرة على دمج مفاهيم المرونة، والهندسة الذكية، والاستدامة، والاستعداد التشغيلي منذ مراحل التخطيط الأولى، وهو ما يسهم في إنشاء مدن أكثر قدرة على التكيف مع تحديات المستقبل، وأكثر جاذبية للمستثمرين العالميين.
الأمن أصبح جزءا من التصميم
كما تغير مفهوم الأمن داخل المشاريع العقارية، فبدلا من اعتباره منظومة منفصلة، أصبح يدمج داخل أنظمة المباني الذكية، وتقنيات التحكم في الدخول، والتخطيط التشغيلي، بحيث يوفر مستويات أعلى من الحماية دون التأثير على التصميم أو تجربة المستخدم.
ويؤكد سردوق أن المشترين في المشاريع السكنية الفاخرة لم يعودوا يبحثون عن التصميم الراقي فقط، بل عن الخصوصية، والأمان، والمرونة طويلة الأجل، وهو ما يجعل دمج الحلول الأمنية في التصميم عاملا يرفع القيمة الاستثمارية للمشروع.
من المدن الذكية إلى المدن المرنة
ورغم أن الحديث خلال السنوات الماضية ركز على “المدن الذكية”، فإن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة، فالمدن الأكثر نجاحا لن تكون فقط تلك التي تعتمد أحدث التقنيات، بل التي تستطيع حماية سكانها، والحفاظ على استمرارية أعمالها، وضمان استمرار الخدمات حتى في أوقات الأزمات.
ويرى سردوق أن تحقيق هذا الهدف يتطلب شراكة وثيقة بين الحكومات والمطورين وشركات التكنولوجيا وخبراء البنية التحتية، بحيث تصبح المرونة جزءا من التخطيط الحضري منذ البداية، وليس استجابة لاحقة للمخاطر.
مستقبل العقارات
ومع استمرار السعودية والإمارات ودول الخليج في ضخ استثمارات ضخمة في المدن الذكية والمشاريع العمرانية العملاقة، يبدو أن المنافسة خلال العقد المقبل لن تدور فقط حول بناء الأبراج أو الوجهات الجديدة، بل حول قدرة هذه المشاريع على حماية الاستثمارات، وتقليل المخاطر، وضمان استمرارية الأعمال.
وفي هذا السياق، قد تصبح المرونة أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها المستثمرون عند تقييم الأصول العقارية، لتتحول من مفهوم هندسي إلى عنصر اقتصادي يحدد قيمة المشروع وقدرته على المنافسة في المستقبل.
المزيد من أرابيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

