تحليل: سعيد الحسنية
دفعت الاضطرابات التي تطال الممرات البحرية التقليدية شركات الشحن والدول المستوردة للطاقة إلى البحث عن طرق أقل تعرضاً للتوترات الجيوسياسية، بينما يفتح تراجع الجليد الصيفي في القطب الشمالي مجالاً أوسع أمام طريق أقصر بين شمال شرق آسيا وأوروبا.
وجددت رحلة سفينة الحاويات الكورية الجنوبية “بانستار أكرو” النقاش حول مستقبل الطريق البحري الشمالي، بعدما أبحرت من بوسان إلى أوروبا في أول رحلة تجارية كورية جنوبية لاختبار جدوى المسار.
لكن هل يستطيع القطب الشمالي أن يوفر بديلا عن مضيق هرمز إذا تعطلت حركة السفن؟ الإجابة المباشرة هي لا، لأن المسارين يؤديان وظيفتين مختلفتين، ولا يمنح الطريق القطبي صادرات النفط والغاز الموجودة داخل الخليج منفذاً يتجاوز المضيق.
طريق أقصر إلى أوروبا
تتجه “بانستار أكرو” شمالا بمحاذاة شبه جزيرة كامتشاتكا الروسية، قبل عبور بحر بيرينغ ودخول الطريق البحري الشمالي الممتد بمحاذاة الساحل الروسي، في رحلة تشمل موانئ فيليكستو وروتردام وجدانسك قبل العودة إلى بوسان.
ومن المتوقع أن تستغرق الرحلة نحو 45 يوماً، فيما تبلغ المسافة المقطوعة داخل المياه القطبية نحو 6400 كيلومتر. وتقدر السلطات الكورية الجنوبية أن الطريق قد يخفض زمن الشحن بين بوسان وأوروبا بنسبة تصل إلى 35 بالمئة، مقارنة بالمسار التقليدي عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.
وتأمل سول في تحويل الطريق إلى مسار تجاري منتظم بحلول 2030، ودعم مكانة بوسان مركزا دوليا للخدمات البحرية، مستفيدة من موقع كوريا الجنوبية وقوة صناعتها في مجالي بناء السفن والشحن.
هرمز يؤدي وظيفة مختلفة
يمثل مضيق هرمز بوابة خروج صادرات النفط والغاز من الموانئ الواقعة داخل الخليج. ولذلك، يجب على أي ناقلة تنطلق من هذه الموانئ عبور المضيق أولاً، بصرف النظر عن الطريق الذي ستسلكه بعد ذلك.
أما الطريق البحري الشمالي، فيربط المحيط الهادئ بشمال أوروبا عبر مضيق بيرينغ والساحل الروسي. ويمكنه تقليص المسافة بين موانئ شمال شرق آسيا وأوروبا، لكنه لا يوفر ممراً من الخليج إلى المحيط الهندي ولا يتجاوز هرمز جغرافيا.
وتظهر الفجوة في حجم الحركة بين المسارين. فقد عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً خلال 2024، بما يوازي قرابة 20 بالمئة من استهلاك السوائل البترولية عالمياً وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. كما مر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، معظمها من قطر.
وفي المقابل، عبرت 88 سفينة الطريق البحري الشمالي في 103 رحلات خلال 2025، ارتفاعاً من 97 رحلة في 2024 و43 رحلة في 2022، وكانت غالبية الحركة مرتبطة بروسيا والصين.
البدائل الحقيقية تمر عبر الأنابيب
تعتمد البدائل العملية لمضيق هرمز على خطوط الأنابيب التي تنقل النفط من الحقول إلى موانئ خارج الخليج، وليس على تغيير وجهة السفن بعد وصولها إلى البحر.
وتشغل أرامكو السعودية خط أنابيب شرق–غرب، الذي ينقل النفط من بقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة أساسية تبلغ 5 ملايين برميل يوميا، وسبق رفعها مؤقتا إلى 7 ملايين برميل يومياً. كما تمتلك الإمارات خطاً بطاقة 1.8 مليون برميل يومياً يصل الحقول البرية بمحطة الفجيرة على خليج عمان.
وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية الطاقة الإضافية المتاحة عبر خطوط السعودية والإمارات بنحو 2.6 مليون برميل يوميا عند تعطل المضيق. ويمكن لهذه الطاقة تخفيف جانب من الأثر، لكنها تبقى محدودة مقارنة بتدفقات هرمز البالغة 20 مليون برميل يوميا.
اختصار تحاصره المخاطر
يمنح الطريق الشمالي شركات الشحن ميزة محتملة في المسافة واستهلاك الوقود، خصوصا بين كوريا واليابان وشمال الصين من جهة، وشمال أوروبا من جهة أخرى. غير أن جدواه تتغير وفق ميناء الانطلاق والوجهة وسرعة السفينة والحاجة إلى خدمات كاسحات الجليد.
ولا توجد ضمانات بأن يكون المسار خالياً من الجليد في موعد محدد. ويمتد أفضل موسم للملاحة عادة بين يوليو وأكتوبر، فيما تبلغ الظروف الأنسب ذروتها قرب منتصف سبتمبر. ويعتمد المرور خلال بقية العام بدرجة كبيرة على السفن المصممة للعمل وسط الجليد.
كما تفرض البيئة القطبية متطلبات إضافية تتعلق بتصميم السفن وتدريب الطواقم والملاحة والاتصالات والتأمين والاستجابة للطوارئ. وتطبق المنظمة البحرية الدولية “المدونة الدولية للسفن العاملة في المياه القطبية”، التي تحدد معايير خاصة للسلامة ومنع التلوث في هذه الظروف القاسية.
ويواجه المسار تحديا جيوسياسيا، لأن الجزء الرئيسي منه يمر بمحاذاة الساحل الروسي ويتطلب تنسيقا مع موسكو بشأن التصاريح والمساعدة وكاسحات الجليد. ويضع ذلك شركات الشحن أمام مخاطر العقوبات وصعوبة التأمين والقيود الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
منافس للسويس وليس لهرمز
قد يتحول الطريق البحري الشمالي إلى خيار موسمي لبعض تجارة الحاويات بين شمال شرق آسيا وأوروبا، خصوصا إذا توسعت البنية البحرية وخدمات الإنقاذ وطال موسم الملاحة.
لكنه لا يستطيع نقل صادرات الطاقة الخليجية إذا تعطلت بوابتها البحرية، فأي بديل فعلي لهرمز يجب أن يبدأ قبل وصول النفط إلى المضيق، عبر خطوط أنابيب وموانئ تصدير على البحر الأحمر أو خليج عمان.
لذلك، قد ينافس القطب الشمالي قناة السويس ومسارات الدوران حول أفريقيا في رحلات محددة، لكنه لن يكون بديلا جغرافيا أو تشغيليا عن مضيق هرمز.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

