الشيخ محمد القاسمي: امتلاك التكنولوجيا لا يكفي
حوار: سعيد الحسنية
تدخل البنوك مرحلة تتغير فيها قواعد المنافسة بسرعة، مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والخدمات الرقمية، إلا أن امتلاك أحدث التقنيات لن يكون العامل الحاسم في تحديد المؤسسات القادرة على قيادة السوق.
ويرى الشيخ محمد بن فيصل بن سلطان القاسمي، رئيس مجلس إدارة البنك العربي المتحد، أن التفوق المصرفي خلال المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرة البنوك على توظيف التكنولوجيا ضمن ثقافة مؤسسية تجمع بين الابتكار والثقة، والمرونة الرقمية والانضباط، مع حماية البيانات وإدارة المخاطر والاستثمار في الإنسان.
وقال القاسمي في مقابلة خاصة مع “أريبيان بزنس” إن التحول الرقمي لا يبدأ من استبدال الأنظمة القديمة، إذ ينطلق من طريقة التفكير وآليات اتخاذ القرار ونموذج الأعمال.
فالقطاع المصرفي يقوم على ثقة بنيت عبر عقود، وهو ما يفرض استخدام التقنية لتحسين الخدمات ورفع الكفاءة من دون التضحية بعلاقة العميل مع المؤسسة أو تعريضها لمخاطر جديدة.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي سيكون المحرك الأكثر تأثيرا في الصناعة المصرفية خلال السنوات الخمس المقبلة، بفضل قدرته على تحليل كميات ضخمة من البيانات، وتحسين تقييم المخاطر، وفهم احتياجات العملاء، والكشف المبكر عن الاحتيال، وتطوير خدمات تتناسب مع احتياجات كل عميل.
وستؤدي الحوسبة السحابية وتحليلات البيانات والخدمات المصرفية الرقمية دورا متزايدا في تغيير العلاقة بين البنوك والعملاء، فيما تصبح الهوية الرقمية والأمن السيبراني عنصرين رئيسيين لحماية هذا التحول وضمان استمراريته.
ويرى القاسمي أن نجاح البنوك لا يرتبط بسرعة تقديم الخدمات وحدها، إذ يتطلب ضمان أمانها وسريتها وموثوقيتها، وتحويل الابتكار من مشروع مؤقت أو استجابة لضغوط السوق إلى جزء ثابت من ثقافة العمل اليومية.
وقال: “مستقبل القطاع المصرفي ليس سباقا لامتلاك التكنولوجيا، وإنما سباق نحو حسن توظيفها”.
الثقة قبل السرعة
رغم اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي، يؤكد القاسمي أن التكنولوجيا لا تستطيع تعويض الخبرة البشرية أو الحدس المهني، خصوصا في القرارات الاستراتيجية وبناء العلاقات طويلة الأجل مع العملاء.
ويحتاج الاستثمار الرقمي، وفق رؤيته، إلى مسار مواز يشمل تطوير الكفاءات، ورفع جاهزية الأمن السيبراني، وتحسين إدارة المخاطر، ومواكبة المتطلبات التنظيمية المتزايدة.
وينعكس هذا النهج، بحسب القاسمي، في استراتيجية البنك العربي المتحد، التي تقوم على استخدام التكنولوجيا لرفع كفاءة القرارات والخدمات مع المحافظة على الثقة والانضباط المؤسسي.
وتواجه البنوك في المنطقة مجموعة مترابطة من التحديات تشمل تسارع الابتكار، وارتفاع كلفة الالتزام التنظيمي، والمخاطر السيبرانية، والمنافسة على استقطاب الكفاءات المتخصصة، إلى جانب التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية وتغير توقعات العملاء.
في المقابل، تفتح هذه التحولات فرصا جديدة في الخدمات المصرفية للشركات، وإدارة الثروات، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتمويل المشاريع الكبرى المرتبطة بالتحول الاقتصادي الإقليمي.
ويرى القاسمي أن المؤسسات التي ستقود هذه المرحلة لن تكون الأكبر حجما بالضرورة، إذ ستكون الأسرع في التعلم والتكيف، والأكثر قدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة ملموسة للعملاء والاقتصاد.
الإمارات منصة لرأس المال والابتكار
يربط القاسمي مستقبل البنوك بالبيئة الاقتصادية والتنظيمية التي تعمل ضمنها، مشيرا إلى أن مكانة الإمارات مركزا ماليا عالميا جاءت نتيجة رؤية طويلة الأجل سبقت التحولات، وقامت على تنويع الاقتصاد، وتطوير التشريعات والبنية التحتية، واستقطاب رؤوس الأموال والكفاءات والشركات الدولية.
ويرى أن رأس المال يتجه إلى الأسواق التي توفر الاستقرار، ووضوح الأطر التنظيمية، وسرعة اتخاذ القرار، وهي عوامل رسخت موقع الإمارات حلقة وصل بين أسواق الشرق والغرب.
ويتوقع أن تتركز فرص العقد المقبل في الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، وإدارة الثروات، والاقتصاد الرقمي، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية الذكية، والصناعات المتقدمة.
ولا تتوقف فرص الإمارات، وفق القاسمي، عند ترسيخ موقعها مركزا ماليا عالميا، إذ تمتلك المقومات التي تؤهلها للتحول إلى مركز عالمي للابتكار وصناعة اقتصاد المستقبل.
وتتمثل الميزة التنافسية الحقيقية للدولة في سرعة التكيف مع المتغيرات وتحويل التحولات العالمية إلى فرص اقتصادية واستثمارية، وليس في حجم الاقتصاد وحده.
كما يرى أن دور البنوك سيتوسع من تقديم التمويل وتنفيذ المعاملات إلى بناء الشراكات وربط رأس المال بالفرص داخل المنطقة وخارجها.
ويتطلب ذلك تطوير حلول تمويل التجارة، والخدمات المصرفية الدولية، والاستشارات الاستثمارية، وتسريع الأنظمة الرقمية التي تجعل حركة الأموال أكثر كفاءة وأمانا.
ويؤكد أن الثقة أصبحت العملة الأساسية لحركة رأس المال، لأن المستثمر يبحث عن بيئة مستقرة وإطار تنظيمي واضح وشريك مالي قادر على فهم الأسواق المختلفة وإدارة المخاطر.
ومن هذا المنطلق، يتطلب المستقبل انتقال البنوك من مفهوم تقديم التمويل إلى بناء منظومة اقتصادية إقليمية مترابطة، بحيث يقاس تميز المؤسسة المصرفية بقدرتها على صياغة الشراكات وبناء الجسور الاقتصادية، إلى جانب حجم التمويل الذي توفره.
تمويل الاقتصاد الجديد
يتسع دور القطاع المصرفي، وفق القاسمي، ليشمل توجيه رأس المال نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة اقتصادية طويلة الأجل، ومنها الطاقة النظيفة، والبنية التحتية، والاقتصاد الدائري، والابتكار، والأمن الغذائي.
ويرى أن المعايير المالية والبيئية والاجتماعية أصبحت جزءا من جودة القرار المؤسسي، وإطارا يحمي متانة المركز المالي ويضمن قدرة المؤسسة على النمو على المدى الطويل.
كما يؤكد أن تعظيم قيمة المساهمين يمكن أن يتكامل مع تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي إيجابي، وأن الأسواق أثبتت عدم وجود تعارض بين الربحية وتمويل المشاريع القادرة على خدمة الاقتصاد والمجتمع.
ويفضل المستثمرون، بحسب القاسمي، المؤسسات التي تمتلك رؤية واضحة في إدارة المخاطر والمسؤولية البيئية والاجتماعية والانضباط المؤسسي، نظرا إلى قدرتها الأعلى على التكيف مع المتغيرات وحماية قيمتها.
ويربط القاسمي هذا الدور بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، التي أسهمت في بناء اقتصاد إماراتي مرن وتنافسي، إذ وفرت السياسات الحكومية بيئة جاذبة للاستثمار، بينما حول القطاع الخاص الرؤية إلى مشاريع وقيمة اقتصادية.
ويتوقع اتساع هذه الشراكة في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الذكية، والطاقة النظيفة، والأمن الغذائي، والصناعات المتقدمة، مع دور أكبر للبنوك في توفير حلول تمويل مرنة للمشاريع الاستراتيجية والشركات الصغيرة والمتوسطة.
ويضع البنك العربي المتحد هذا المسار ضمن أولوياته عبر تطوير حلول تمويلية تساعد على تسريع تنفيذ المشاريع وتوسيع أثرها الاقتصادي والمجتمعي.
الإنسان يصنع الفارق
تستند رؤية القاسمي إلى خبرة تتجاوز ثلاثة عقود في الخدمات المصرفية والاستثمار والعقارات والسياحة والاستثمار المباشر، وهي قطاعات منحته فهما أوسع لترابط الاقتصاد.
فالعمل المصرفي يرسخ الانضباط وإدارة المخاطر، بينما يساعد الاستثمار على قراءة المستقبل، وتكشف العقارات أهمية الرؤية طويلة الأجل، ويضع قطاع الضيافة تجربة العميل في قلب النجاح.
ويرى أن هذا التنوع يجعل القرارات أكثر توازنا وشمولا، ويمنح القائد قدرة أكبر على الجمع بين اقتناص الفرص وإدارة المخاطر، وبين الطموح والانضباط.
فالنمو الحقيقي، في رؤيته، لا يتحقق بالسرعة، إذ يحتاج إلى قرارات تحمي المؤسسة وتمنحها القدرة على مواصلة العمل في مختلف الظروف.
ورغم تسارع التحول الرقمي، يضع القاسمي الاستثمار في الإنسان في مقدمة أولويات المؤسسات المصرفية، مؤكدا أن التكنولوجيا أداة لتمكين الكفاءات وليست بديلا عنها.
وتحتاج القيادات المقبلة إلى ثلاثة عناصر رئيسية: النزاهة والانضباط المؤسسي، والقدرة على اتخاذ القرارات بناء على البيانات والتحليل، وامتلاك المرونة الرقمية التي تسمح بفهم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها لخدمة أهداف المؤسسة.
كما ترتبط القيادة الناجحة ببناء فرق قوية، وترسيخ ثقافة قائمة على الثقة والمساءلة، والمحافظة على تجربة العميل وتحقيق التوازن بين النمو وإدارة المخاطر.
ويؤكد القاسمي أن المؤسسات الناجحة لا تبنى بالأفراد مهما بلغت كفاءتهم، إذ تقوم على ثقافة مؤسسية قادرة على الاستمرار، وتمكين فرق العمل، وتوزيع المسؤولية، وصناعة قادة جدد.
ابن المؤسسة أولا
يلخص القاسمي فلسفته القيادية في مبدأ “ابن المؤسسة أولا”، لأن النتائج طويلة الأجل تأتي من قوة الثقافة المؤسسية، وكفاءة تخصيص رأس المال، وتمكين فرق العمل، والشفافية، والمساءلة.
ويرى أن التركيز على النتائج الآنية قد يحقق نجاحا مؤقتا، لكنه لا يصنع مؤسسة قادرة على الاستمرار أو التعامل مع المتغيرات.
فالقيادة الحقيقية، بحسب القاسمي، تمنح الآخرين الفرصة لتقديم أفضل ما لديهم، وتحول المعرفة إلى قيمة تعود على المساهمين والعملاء والمجتمع، وتترك المؤسسة أكثر قوة واستعدادا للمستقبل.
ويشير إلى أن شعوره بالفخر يرتبط برؤية المؤسسات التي عمل معها تواصل نموها وتطورها، لأن ذلك يمثل دليلا على نجاح البناء المؤسسي، لا على نجاح فرد أو منصب.
وبالنسبة إليه، لا ترتبط القيادة بتحقيق نجاح شخصي، إذ تقوم على بناء مؤسسات قادرة على خلق قيمة للاقتصاد والمجتمع، وترك أثر يمتد سنوات بعد انتهاء المناصب.
في ضوء هذه التحولات، لن تحسم التكنولوجيا وحدها هوية المؤسسات المتقدمة في سباق مصرفي تقوده البيانات والذكاء الاصطناعي، إذ يبقى الفارق في طريقة توظيفها وبناء الثقة حولها.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

