بدأ التهديد الحوثي باستهداف السفن المرتبطة بالموانئ السعودية ينعكس مباشرة على حركة الملاحة في البحر الأحمر، بعدما غيرت ناقلات وسفن تجارية مساراتها، في تطور يرفع مستوى المخاطر أمام أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.
وأظهرت بيانات تتبع السفن أن 4 ناقلات غيرت اتجاهها في البحر الأحمر، الأربعاء، عقب تحذير جماعة الحوثي شركات الملاحة من تحميل البضائع أو تفريغها في الموانئ السعودية.
وأشارت ناقلتان إلى أن وجهتهما الجديدة أصبحت قناة السويس، بينما اتجهت ناقلتان أخريان نحو المياه المفتوحة في البحر الأحمر، وفق بيانات مجموعة بورصات لندن و”مارين ترافيك” وتحليلات شركة “فانجارد” البريطانية لإدارة المخاطر البحرية.
كما غيرت ناقلة سيارات اتجاهها في خليج عدن، بعدما كانت قد حددت ميناء جدة وجهة تالية لها، ما يشير إلى اتساع أثر التحذير ليشمل فئات مختلفة من السفن، وليس ناقلات النفط وحدها.
سفن سعودية تعود شمالاً
جاءت التحركات الجديدة بعد يوم من تغيير 3 ناقلات نفط سعودية متجهة إلى الصين والهند مساراتها في البحر الأحمر، إذ استدارت عائدة نحو الشمال باتجاه قناة السويس لتجنب المرور قرب السواحل اليمنية.
وتشير هذه التحركات إلى أن شركات الملاحة ومشغلي السفن يتعاملون مع التحذير بوصفه خطراً تشغيلياً مباشراً، حتى قبل تسجيل هجمات مؤكدة على السفن التي تستخدم الموانئ السعودية.
وكان الحوثيون قد أبلغوا شركات شحن بأن السفن التي تحمل بضائع من الموانئ السعودية أو إليها قد تصبح عرضة للاستهداف، في إطار ما وصفوه بحصار بحري على المملكة.
ولم يتضح بعد مدى قدرة الجماعة على تنفيذ حصار فعلي، لكن تجربة الأعوام الماضية أظهرت أن التهديدات وحدها قد تكون كافية لدفع مالكي السفن وشركات التأمين إلى تجنب المسارات المصنفة مرتفعة الخطورة.
باب المندب تحت الضغط
يربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمر عبره جزء رئيسي من التجارة بين آسيا وأوروبا قبل وصول السفن إلى قناة السويس.
وتقدر حركة التجارة العابرة للمضيق بنحو 12% من التجارة العالمية، ما يجعل أي اضطراب واسع فيه مؤثراً في أسعار النقل والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وتسيطر جماعة الحوثي على مناطق واسعة في شمال اليمن وعلى أجزاء من الساحل المطل على البحر الأحمر، ما يمنحها قدرة على تهديد السفن باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة والألغام البحرية.
وتسجل هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تحذيرات وحوادث متكررة في المنطقة، وسط استمرار تصنيف البحر الأحمر وخليج عدن ضمن مناطق المخاطر الأمنية المرتفعة أمام السفن التجارية.
تهديد لمسار النفط السعودي
يحمل التطور أهمية إضافية لقطاع الطاقة، إذ يعتمد جزء من صادرات النفط السعودية على موانئ البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء ينبع، الذي يمثل منفذاً بديلاً عن موانئ الخليج العربي عند تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
وتنقل السعودية النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر عبر خط أنابيب الشرق والغرب، ما يتيح تصديره من ينبع باتجاه أوروبا وآسيا من دون المرور عبر هرمز.
ويعني تهديد الملاحة قرب باب المندب أن مسارين أساسيين للطاقة قد يتعرضان للضغط في الوقت نفسه: مضيق هرمز شرقاً، وباب المندب غرباً، وهو ما يحد من قدرة شركات النفط والشحن على إيجاد طرق بحرية بديلة منخفضة المخاطر.
وقد يؤدي اتساع نطاق التحذيرات إلى زيادة أقساط التأمين ورسوم مخاطر الحرب، إلى جانب ارتفاع كلفة استئجار الناقلات واضطرار بعض السفن إلى استخدام مسارات أطول.
طريق رأس الرجاء الصالح
إذا تجنبت السفن باب المندب وقناة السويس، سيكون البديل الرئيسي هو الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما يضيف مسافة وزمناً إلى الرحلات بين آسيا وأوروبا.
ويرفع هذا المسار استهلاك الوقود ويقلل عدد الرحلات التي تستطيع السفينة تنفيذها خلال العام، كما يؤدي إلى تجميد الحاويات والبضائع لفترات أطول وارتفاع كلفة التأمين والتخزين.
ولا يقتصر الأثر على النفط، إذ تمر عبر البحر الأحمر شحنات من الحاويات والمواد الغذائية والسيارات والمنتجات الصناعية والغاز والأسمدة.
وتصبح الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها جدة وينبع ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، جزءاً مباشراً من حسابات المخاطر الجديدة لشركات الشحن.
كلفة التهديد تسبق الهجوم
تكشف حركة الناقلات خلال الساعات الأخيرة أن الأثر الاقتصادي للتهديدات البحرية يبدأ قبل وقوع أي هجوم، إذ تتخذ الشركات قراراتها وفق احتمالات الخطر وليس وفق الخسائر المؤكدة فقط.
وقد يؤدي استمرار تغيير المسارات إلى رفع أسعار الشحن وتقليص السعة المتاحة وتأخير وصول البضائع، إضافة إلى زيادة الرسوم التي تدفعها الشركات المستوردة والمصدرة.
كما يمكن أن تتوسع التداعيات إلى أسواق النفط إذا اضطرت الناقلات إلى تجنب موانئ البحر الأحمر أو إذا تراجعت قدرة السعودية على استخدام المسار الغربي بديلاً عن هرمز.
ومن هذه الزاوية، تتحول تهديدات الحوثيين من تطور أمني محلي إلى عامل ضغط على التجارة العالمية، إذ تضع شركات الملاحة أمام خيارين مرتفعي الكلفة: مواصلة الإبحار داخل منطقة الخطر، أو تغيير المسار وتحمل رحلة أطول ورسوم أعلى.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

