تكشف التحركات الأخيرة في أسواق الطاقة أن الأزمة لم تعد مرتبطة بسعر برميل النفط وحده، إذ انتقلت الضغوط إلى المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل، مع اجتماع اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز وتأخر عودة طاقات تكريرية إلى السوق وتراجع المخزونات الأميركية إلى مستويات موسمية لم تسجل منذ ثلاثة عقود.
واستقرت العقود الآجلة لخام برنت، الثلاثاء، عند 87.81 دولار للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 82.20 دولار، بعدما قفز الخامان بأكثر من 5% خلال جلسة الاثنين إلى أعلى مستوياتهما منذ 31 يوليو.
لكن التحرك الأكثر حدة جاء من سوق الوقود، إذ ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للديزل منخفض الكبريت 7.4% إلى 4.19 دولار للجالون، في أكبر زيادة منذ 13 يوليو، بينما صعدت هوامش تكرير الديزل في أوروبا بنحو 10%.
هرمز يقلص تدفقات الطاقة
تأتي الضغوط في وقت تتراجع فيه الآمال في التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يقود إلى إنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية أمام حركة الطاقة.
وتفاقمت حالة عدم اليقين بعد أن رد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شروط إيران للتوصل إلى اتفاق بالمطالبة بتعويضات عن قتلى سقطوا في حروب وهجمات واحتجاجات.
ويشير هذا التصعيد إلى استمرار الفجوة بين واشنطن وطهران بشأن شكل أي تسوية محتملة، وهو ما أعاد علاوة المخاطر إلى أسعار النفط بعد موجة من التفاؤل بإمكانية تخفيف القيود على حركة الشحن.
وتظهر أحدث الأرقام حجم تأثير الأزمة على الإمدادات. وقال محللون في بنك باركليز إن صافي صادرات النفط الخام والمنتجات المكررة عبر مضيق هرمز بلغ في المتوسط 3 ملايين برميل يوميا خلال الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، مقارنة مع 4.4 مليون برميل يوميا في الأسبوع السابق.
ويمثل ذلك انخفاضا بنحو 1.4 مليون برميل يوميا خلال أسبوع واحد، ما يعكس استمرار القيود على واحدة من أهم نقاط عبور الطاقة في العالم.
ولا تتوقف المخاطر عند هرمز، إذ تبقى حركة الشحن عبر باب المندب معرضة أيضا للتهديد، الأمر الذي يبقي تكاليف التأمين مرتفعة ويجبر بعض الشحنات على استخدام مسارات أطول، بما يزيد الكلفة ويؤخر وصول الإمدادات إلى الأسواق.
وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق لدى “كيه.سي.إم تريد”، إن خطر القيود حول مضيقي هرمز وباب المندب لا يزال مرتفعا، مشيرا إلى أن القيود المتقطعة أو استمرار خطر الهجمات يكفيان لإبقاء التأمين مكلفا وفرض مسارات أطول على الشحنات.
جازان وروسيا تضغطان على المصافي
تزامن اضطراب طرق الإمداد مع ضغوط جديدة على قدرات التكرير، بعد هجمات استهدفت منشآت في السعودية وروسيا.
وأجلت أرامكو السعودية إعادة تشغيل مصفاة جازان، التي تبلغ طاقتها 400 ألف برميل يوميا، إلى 30 أغسطس، بعدما أعلن الحوثيون شن هجومين على المصفاة الأحد.
وكانت المصفاة متوقفة منذ 27 يوليو في أعقاب هجوم سابق، فيما كانت خطط التشغيل السابقة تستهدف العودة في 15 أغسطس قبل تأجيل الموعد لمدة أسبوعين إضافيين، وفقا لبيانات “آي.آي.آر إنرجي”.
وفي روسيا، تعرضت مصفاة في تتارستان لهجوم أوكراني، في امتداد لسلسلة هجمات على البنية التحتية للطاقة الروسية خلال الأشهر الماضية.
وتزيد هذه التطورات الضغط على سوق المنتجات المكررة، لأن تعطل المصافي يختلف في تأثيره عن نقص النفط الخام وحده، إذ يؤدي مباشرة إلى تقليص كميات البنزين والديزل ووقود الطائرات المتاحة للاستهلاك.
وقال بوب يوجر، المحلل لدى “ميزوهو”، إن الهجمات على المصافي أدت إلى فقدان كميات كبيرة من الديزل في السوق.
الديزل يقفز أسرع من النفط
تكشف الفجوة بين ارتفاع النفط بنحو 5% وقفزة الديزل بنسبة 7.4% عن أن السوق تواجه مشكلة تتجاوز تكلفة الخام إلى القدرة على تحويله إلى وقود جاهز للاستهلاك.
وساهم إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب مع إيران في خفض إمدادات الديزل عالميا، مع اضطراب تدفقات النفط الخام والوقود القادم من الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات الأوكرانية المتكررة على قطاع الطاقة الروسي إلى زيادة الضغوط على الإمدادات، بينما دفعت التطورات موسكو إلى حظر صادرات البنزين والديزل حتى نهاية يناير 2027، ما يسحب مصدرا إضافيا للمنتجات المكررة من السوق الدولية.
وتظهر بيانات المخزونات الأميركية أن هامش الأمان المتاح أمام الأسواق محدود.
وبلغت مخزونات الولايات المتحدة من وقود التقطير، الذي يشمل الديزل وزيت التدفئة، 107.2 مليون برميل بنهاية يوليو، وهو أدنى مستوى مسجل لهذا الوقت من العام منذ ثلاثة عقود.
ويجعل انخفاض المخزونات الأسواق أكثر حساسية لأي توقف إضافي في المصافي أو اضطراب في طرق الشحن، خصوصا مع اعتماد قطاعات النقل والصناعة والزراعة بشكل واسع على الديزل.
وتبرز المخاطر الزراعية بصورة خاصة مع حاجة المزارعين في نصف الكرة الشمالي إلى الوقود خلال موسم الزراعة، بالتزامن مع موسم الحصاد في نصف الكرة الجنوبي، ما يعني أن استمرار ارتفاع الديزل يمكن أن ينتقل تدريجيا إلى تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع الغذائية.
أزمة الإمدادات تتجاوز سعر البرميل
تضع التطورات الحالية سوق الطاقة أمام معادلة أكثر تعقيدا من مراقبة اتجاه خام برنت وحده.
فحتى إذا استقرت أسعار النفط، يمكن أن تبقى أسعار الوقود مرتفعة إذا استمرت المصافي خارج الخدمة أو ظلت حركة الشحن مقيدة أو تراجعت المخزونات إلى مستويات يصعب معها امتصاص أي صدمة جديدة.
ويبدو أن ثلاثة مسارات ستحدد اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة: تطورات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ومستقبل حركة الملاحة عبر هرمز، وموعد عودة مصفاة جازان وطاقات التكرير الأخرى المتضررة، وقدرة الأسواق على تعويض النقص في المنتجات الروسية.
ومع بقاء هذه الملفات مفتوحة في وقت واحد، تتحول أزمة الطاقة تدريجيا من مشكلة في تدفقات النفط الخام إلى ضغط أوسع على الوقود المكرر، وهو ما يفسر لماذا أصبحت تحركات الديزل أكثر حدة من تحركات أسعار النفط نفسها.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

