تستهلك السعودية أكثر من 80 ألف طن من البن سنويا، بينما تنتج منطقة الباحة حاليا 36 طنا فقط. وبين الرقمين تتحرك أول مدينة للقهوة في المملكة، في محاولة لتحويل البن السعودي من محصول محدود الإنتاج إلى صناعة تمتد من المزرعة إلى التصنيع والتسويق والتصدير.
ويمتد المشروع في مركز معشوقة بمنطقة الباحة، جنوب غرب السعودية، على مساحة إجمالية تبلغ 1,662,000 متر مربع، ويضم أكثر من 527 ألف شتلة بن، وفق بيانات منشورة عن المشروع.
وتستهدف المدينة إنتاج نحو 2,000 طن من البن السعودي سنويا عند اكتمال مراحلها، ما يعني رفع إنتاج الباحة إلى أكثر من 55 مرة مقارنة بمستواه الحالي، إذا نجح المشروع في بلوغ طاقته المعلنة.
527 ألف شتلة في الباحة
تقوم فكرة مدينة القهوة على جمع حلقات صناعة البن داخل موقع واحد، بدءا من إنتاج الشتلات والزراعة، مرورا بالبحث والتجارب الزراعية، وصولا إلى المعالجة والتصنيع والتعبئة والتسويق.
ويمنح هذا النموذج المشروع أهمية تتجاوز عدد الأشجار، إذ يمكنه توحيد جودة المحصول، وخفض تكاليف التشغيل، وتوفير كميات تجارية مستقرة للمحامص والموزعين، بدلا من الاعتماد على إنتاج متفرق من المزارع الصغيرة.
ويأتي المشروع ضمن عقد استثماري يمتد 15 عاما بين وزارة البيئة والمياه والزراعة والجمعية التعاونية الزراعية في بلجرشي، فيما حصلت المدينة في 2023 على تمويل بقيمة 72 مليون ريال من صندوق التنمية الزراعية.
ويشمل التمويل المباني والمصنع والمعدات ووسائل النقل وخطوط الإنتاج وشبكات الري بالتنقيط، ما يعكس توجه المشروع نحو بناء سلسلة إنتاج متكاملة إلى جانب التوسع في المساحات المزروعة.
الزراعة الدقيقة تدخل مزارع البن
تضم المدينة منطقة للبحث والتطوير الزراعي، تتولى دراسة الممارسات المناسبة للبيئة الجبلية في الباحة، واختبار تقنيات الري، وتحسين برامج التسميد، وقياس تأثير الظروف المناخية في إنتاج البن.
كما تعمل المنطقة البحثية على تطوير حلول لمكافحة الآفات والأمراض الزراعية، ونقل المعرفة إلى المزارعين، خصوصا مع حاجة زراعة البن إلى مهارات متخصصة في اختيار الشتلات والتقليم والحصاد والتجفيف.
وتطبق المدينة مفهوم “الزراعة الدقيقة” عبر أنظمة الري بالتنقيط والأتمتة والتحكم الذكي. وتعتمد هذه الأنظمة على بيانات رطوبة التربة ودرجات الحرارة والظروف المناخية لتحديد الكميات الفعلية التي تحتاج إليها الأشجار من المياه.
وتكتسب هذه التقنيات أهمية اقتصادية في ظل محدودية الموارد المائية وارتفاع تكلفة الزراعة في المناطق الجبلية، إذ يمكن للري القائم على البيانات خفض الهدر وتحسين إنتاجية الأشجار واستقرار جودة المحصول.
450 مزرعة و115 ألف شجرة
تمثل مدينة البن أولى المدن الزراعية في مركز معشوقة، وهي منطقة تشتهر بزراعة أصناف عالية الجودة من البن السعودي.
وتحتضن معشوقة أكثر من 450 مزرعة قهوة تضم نحو 115 ألف شجرة، فيما تنتشر مزارع البن في الباحة بين جبلي “شدا الأعلى” و”شدا الأسفل”، وسط تضاريس جبلية وأودية تتميز بخصوبة التربة وتوافر المياه والظروف المناخية المناسبة.
وتنتج منطقة الباحة حاليا أكثر من 36 طنا من البن الصافي سنويا، ويجري تسويق معظم الكميات داخل السعودية. وتشير بيانات القطاع إلى اتساع الطلب على بن الباحة ليشمل مختلف مناطق المملكة، مدفوعا بإقبال المستهلكين والمقاهي والمحمصات على المنتجات المحلية.
ويمكن لمدينة القهوة، عند وصولها إلى الطاقة المستهدفة، نقل المنطقة من إنتاج محدود يخدم أسواقا محلية صغيرة إلى مصدر رئيسي للمحامص وشركات الأغذية والضيافة.
100 وظيفة مباشرة
وفرت المدينة نحو 100 فرصة عمل مباشرة للمزارعين والفنيين والمشرفين، إلى جانب فرص غير مباشرة في الخدمات اللوجستية والتشغيل والصيانة والتسويق.
ومن المتوقع اتساع نطاق التوظيف بالتزامن مع زيادة المساحات المزروعة وتشغيل مرافق التصنيع والتعبئة، إلا أن الأثر الأوسع قد يظهر في المزارع المحيطة بالمدينة.
فالمشروع يستطيع توفير شتلات بمواصفات موحدة، وتقديم التدريب والخدمات الفنية للمزارعين، وشراء المحاصيل وفق معايير محددة، ما يمنح أصحاب المزارع الصغيرة قناة أوضح للوصول إلى السوق.
سوق يستهلك 80 ألف طن
تأتي مدينة القهوة في سوق محلية كبيرة تعتمد بدرجة واسعة على الواردات. ووفقا لوزارة البيئة والمياه والزراعة، تقع السعودية ضمن أكثر 10 دول استهلاكا للبن عالميا، بحجم يتجاوز 80 ألف طن سنويا.
وتتراوح واردات المملكة من البن بين 70 ألفا و90 ألف طن سنويا، بينما يتجاوز إنفاق السعوديين على إعداد القهوة مليار ريال.
وتظهر هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الطلب المحلي والإنتاج الوطني. وحتى عند بلوغ مدينة البن طاقتها المستهدفة البالغة 2,000 طن، سيظل الإنتاج المحلي يمثل حصة محدودة من حجم السوق، لكنه قد يكتسب قيمة أعلى إذا جرى تسويقه كمنتج متخصص ذي منشأ واضح وجودة مرتفعة.
وكانت وزارة البيئة والمياه والزراعة قد وصفت البن السعودي بأنه من الأعلى جودة عالميا، فيما أظهرت بيانات الوزارة في سبتمبر 2025 أن مناطق جازان وعسير والباحة ومكة المكرمة ونجران تضم أكثر من 1.3 مليون شجرة مثمرة، تنتج ما يزيد على 870 طنا من البن الصافي سنويا.
4 تحديات أمام التوسع
تتمثل أبرز التحديات التي تواجه صناعة البن السعودية في 4 ملفات رئيسية: إدارة المياه بكفاءة، وتوفير شتلات ذات مواصفات قياسية وإنتاجية متجانسة، ونقل التقنيات الزراعية الحديثة، وتأهيل الكفاءات الوطنية.
وتضاف إلى ذلك تحديات مرتبطة بثبات جودة المحصول، وتكاليف الإنتاج في المناطق الجبلية، وتطوير مرافق التجفيف والمعالجة، وبناء قنوات بيع قادرة على منح المزارعين عوائد مجزية.
لهذا، سيقاس نجاح أول مدينة قهوة في السعودية بما يتجاوز عدد الشتلات المزروعة. الاختبار الحقيقي سيكون في حجم المحصول القابل للبيع، ونسبة الأشجار التي تصل إلى مرحلة الإنتاج، وجودة الحبوب، وقدرة المدينة على تحويل الطلب المحلي الكبير إلى عقود شراء وفرص تصدير طويلة الأجل.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

