جمالية اللون تثير في الذهن معاني كثيرة، وقد ارتبطت الألوان بالجمال واقترنت بالذوق، واللون إذا انتظم بذائقة الإنسان، لا يدخلك إلى عالم من الدهشة والبهجة فحسب، بل يأخذك إلى مرحلة بالغة من السرور، والألوان بوصفها قوى جبرية تدهشك تشرح الخاطر وتسر النظر، واستتباعاً لذلك يتحوّل ذلك الإدهاش والسرور إلى علاقة اتصال، وقيمة تتجه بك إلى جوهر معنى اللون، الأمر الذي يدفع بنا إلى الاصطلاح لتك الألوان وتعليقها ببعض الأشياء والموجودات وننسب الاسم إليه لنصل إلى معنى كنه لونه، فيقال برتقالي اللون وأخر رمادي وغيرها مما سيطول الشرح ولا يتسع المجال لذكرها، إننا نفقد اسمه لكننا ندرك شكله ونستشعر جماله، ولا تنتهي حدود اللون عند هذا الحد، فحين يتضاءل ضوء النهار متجها إلى جوف الليل أو ينسلُ الظلام من عتمة الليل مندفعا إلى بلج الصبح أو حين يكفكف الشفق ألوانه لينسدل ظلام الليل من سُدفة الضوء إلى دكنة الظلام لنعيش مراحل أخرى من الألوان المتعددة نعجز عن تحديد مسمياتها إلا بما اتصف به الوقت مثل وقت الأصيل ولحظات الشفق وغيرها من أوقات يختلف فيها اللون ويتباين
إن نظرتنا الفاطنة لواقع الوجود ومسرح الحياة تؤكد مدى الكثرة الكاثرة للألوان ومدى تنوعها وانتشارها فاللون يتجلى لنا في الطبيعة من نباتات وأشجار وكذا حيوانات وحشرات وطيور وغيرها من مدر وحجر، عند هذه الأعداد تكون الألوان لا نهائية، بعد أن تجاوزت ملامحها الألوان الأساسية، وندرك مدى إعجاز الخلق فسبحان من صور ومن أبدع، ولاشك أن معايشة الألوان والاختلاط بها يرفع الشعور الذوقي عند الإنسان ويفضي به إلى فسحة من الحياة وحيوية يُشتعل فتليها بفعل صورة اللون ليخرجنا من أجواء مشحونة بالتوتر والانفعال إلى فضاء اللون الرحب ، هذا الإيقاع يجعلنا نستشعر جمال اللون وحقيقة معناه، والأجمل حين يكون حِليةً نتحلى بها، ومن هنا يكون انتقل اللون من سكونية جماله في مكانه الرتيب إلى التعاطي معه ليكون لنا سلوكا مختلفا ومغايراً ننتهجه في الزينة، ونتميز به عن غيرنا في توافق تام مع الذوق العام والتماهي مع العناصر الجمالية، لان دلالة اللون وصفته تعكس وعي الإنسان وسمو ذوقه بأنماط الجمال، وبالتالي فان لغة اللون تتوازي مع التعبير اللفظي لان اللون بالضرورة رديف التعبير فهو يغنيك عن التعبير، فدلالة اللون تعكس المستوى الذوقي وتضع الإنسان في مرتبة مزدان بالجمال فالذائقة هي الرافعة الفنية التي تجعل اللون يتناسب مع الشخصية من حيث العمر والتقاسيم والتفاصيل والسمات لتظهر دلالة اللون في حقيقة الزينة معبرة في تكوين نهائي يجعلها تروق للجميع، فالأزياء التي يتزيَّا بها الإنسان هي التي تزيد من حالة الإثارة والإدهاش عند الآخرين وتروق لهم الأشكال وتدفعهم إلى التقليد والإتباع، فالألوان المتداخلة بطريقة متسقة تعبر عن مضمون الجمال الناتج عن ذوق خاص ونمط يتفرد به الإنسان عن غيره، وذلك يعكس حرفية في الاختيار وأنها تكات إيقاعية لاختيار اللون أو طريقة المثلى لصف اللباس والزيّ، لان الذوق خصيصة قد ينفرد بها البعض عن غيره، التي تفقده حيرة الاختيار في الوصول إلى اللون المناسب «انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه»، هنا نتجاوز الحيرة المعرفية والنظر المجرد للون إلى حالة العمق في تفاصيل اللون لينعكس أثره علينا في ارتداد للوعي الحقيقي، فقد اكتست تلك الثمرة بوهج اللون في خروج بائن وتدرج واضح للوصول لمرحلة الإيناع والنضج، عند ذلك فقط نخلق حالة من انسيابية الذوق المرتد إلينا في تواصل بصري يحسب لنا كسلوك ثقافي نعاشره كل يوم ونلتقي فيه على ردهات الأناقة على امتداد ساحة جمال الألوان..
أخيرا تظل دلالة الزينة في زهو الألوان وبريق أشكالها وتظل مركزية الجمال عاكفة فيه وبه تزهو الأشياء وتزداد ابتهاجا وتوهجا.
المصدر – جريدة الرياض

