تتحول الإمارات من وجهة تستقطب أصحاب الثروات العالمية إلى منصة تنطلق منها رؤوس الأموال نحو أسواق آسيا والمحيط الهادئ، مع تزايد بحث المستثمرين عن مصادر نمو تتجاوز الولايات المتحدة وأوروبا.
ويقف خلف هذا التحول جيل من المستثمرين ورواد الأعمال الذين تمتد أعمالهم وعائلاتهم وأصولهم عبر أكثر من دولة، ما يرفع الطلب على حلول إدارة الثروات العابرة للحدود، ويمنح الإمارات دورا متقدما في ربط رأس المال الخليجي بالاقتصادات الآسيوية.
وقالت عائشة عباس، العضو المنتدب ورئيسة حلول الأثرياء وإدارة الثروات والودائع والرهون العقارية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا ودولة الإمارات لدى “ستاندرد تشارترد”، في مقابلة مع “أريبيان بزنس”، إن الإمارات رسخت مكانتها بين أبرز مراكز الثروة عالميا، مستفيدة من قدرتها على استقطاب أصحاب الأعمال والمستثمرين ذوي الارتباط الدولي.
وأضافت أن العملاء المقيمين في الإمارات يطلبون بصورة متزايدة حلولا تتيح الوصول إلى فرص استثمارية عبر أسواق ومناطق متعددة، في ظل امتداد مصالحهم التجارية والعائلية بين الشرق الأوسط وآسيا.
الإمارات جسر لرؤوس الأموال
تكتسب الإمارات أهمية خاصة في هذا المسار بفضل موقعها بين الشرق والغرب، وتوسع علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الاقتصادات الآسيوية.
وترى عباس أن هذه المكانة تمنح الدولة دورا طبيعيا في تسهيل تدفقات الاستثمار بين المنطقتين، خاصة أن عددا كبيرا من المستثمرين المقيمين فيها يمتلكون أعمالا أو علاقات عائلية أو أصولا موزعة بين الخليج وآسيا.
وتدفع هذه الروابط المستثمرين إلى البحث عن خدمات مالية تسمح لهم بإدارة محافظهم عبر الحدود، والوصول إلى فرص محلية في الأسواق الآسيوية من خلال مؤسسات تمتلك حضورا مباشرا وخبرة تنظيمية داخل تلك الدول.
ويأتي هذا الاتجاه بالتزامن مع توسع مكانة الإمارات كمركز لإدارة الثروات الخاصة، وانتقال مزيد من العائلات الثرية ورواد الأعمال إلى الدولة، سواء للإقامة أو تأسيس الشركات أو إدارة الأصول.
لماذا آسيا الآن؟
تجمع منطقة آسيا والمحيط الهادئ عددا من المحركات الاقتصادية التي تجعلها من أبرز وجهات الاستثمار طويل الأجل، تشمل النمو السكاني، واتساع الطبقة الاستهلاكية، وتسارع التحول الرقمي، والتصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي.
كما تشهد المنطقة زيادة في تكوين الثروات وتطور أسواق رأس المال، ما يوفر فرصا في الأسهم والسندات والائتمان والقطاعات الخاصة، إلى جانب الشركات المرتبطة بالتقنية والاستهلاك والبنية التحتية.
وقالت عباس إن جاذبية آسيا بالنسبة إلى المستثمرين في الإمارات تتجاوز سوقا أو قطاعا بعينه، إذ تمثل المنطقة قصة نمو طويلة الأجل تتقاطع مع طموحات الخليج الاقتصادية وارتباطه المتزايد بالأسواق العالمية.
وتوفر اقتصادات آسيا كذلك دورات أرباح وسياسات نقدية وبيئات أسعار فائدة تختلف عن تلك السائدة في الأسواق الغربية، ما يمنح المستثمرين فرصة لتوزيع المخاطر على محركات اقتصادية متعددة.
تنويع المحافظ بنحو 50%
تدفع التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية المستثمرين إلى إعادة النظر في المحافظ التي تتركز بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة أو أوروبا وعدد محدود من شركات التقنية العالمية.
وبحسب تحليلات مكتب الاستثمار لدى “ستاندرد تشارترد”، يمكن لإضافة التعرض المنظم لأسواق آسيا والمحيط الهادئ إلى محفظة عالمية تقليدية أن تحسن مستوى التنويع بنحو 50%.
ويرتبط هذا التحسن بخفض الاعتماد على مجموعة ضيقة من محركات المخاطر العالمية، وتوزيع الاستثمارات على اقتصادات وقطاعات وعملات ودورات أرباح مختلفة.
وقالت عباس إن بعض المحافظ التي تتضمن تعرضا لآسيا والمحيط الهادئ يمكن أن تحقق عوائد متوقعة أعلى مع تقلبات أقل مقارنة بالمحافظ العالمية التقليدية، وفق نتائج الأبحاث التي أجراها البنك.
ومع ذلك، شددت على أن المستثمر لا يواجه خيارا بين النمو والحماية، إذ يمكن بناء محافظ تسعى إلى تحقيق العائد وفي الوقت نفسه تخفف مخاطر التركز عبر التنويع والانضباط في توزيع الأصول.
المستثمرون يبحثون عن حلول شاملة
يزداد الطلب بين الأثرياء وأصحاب الملاءة المالية العالية في الإمارات على الحلول متعددة الأصول، بدلا من إدارة كل استثمار أو سوق بصورة منفصلة.
وتجمع هذه الحلول بين الأسهم والسندات وأدوات الدخل والفرص البديلة ضمن محفظة واحدة، مع تعديل الأوزان وفقا لتغيرات الأسواق ومستويات المخاطر.
وترى عباس أن هذا النوع من الاستثمار سيشهد طلبا أكبر خلال السنوات الـ3 إلى الـ5 المقبلة، مع ارتفاع تعقيد المحافظ وامتداد أصول العملاء إلى دول ومناطق متعددة.
وأضافت أن المستثمرين يبحثون عن شريك يقدم لهم الربط الدولي والخبرة المحلية والرؤية العالمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسواق تتطلب معرفة بالتشريعات والقطاعات والشركات المحلية.
وتسمح الحلول متعددة الأصول للمستثمر بالمشاركة في فرص النمو الآسيوية، مع الحفاظ على قدر من المرونة في التعامل مع تقلبات العملات والفائدة والأسواق.
صندوق لاستهداف النمو الآسيوي
أطلق “ستاندرد تشارترد” صندوق “Signature Select APAC Allocation Plus”، بالتعاون مع “بلاك روك”، لتوفير وسيلة متنوعة للاستثمار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ويختلف الصندوق عن المنتجات التي تركز على دولة واحدة أو فئة أصول واحدة، إذ يجمع مصادر متعددة للعائد ضمن حل استثماري واحد يخضع لإدارة متخصصة.
وبحسب عباس، صمم الصندوق للمستثمرين الراغبين في الوصول إلى قصة النمو الآسيوية من دون الاضطرار إلى اختيار أسواق أو قطاعات منفردة وإدارتها بصورة مباشرة.
ويستفيد المنتج من شبكة “ستاندرد تشارترد” عبر الشرق الأوسط وآسيا، إلى جانب القدرات الاستثمارية لشركة “بلاك روك”، مع التركيز على التنويع والمرونة داخل المحفظة.
ويأتي طرح الصندوق في وقت تزداد فيه المنافسة بين البنوك ومديري الأصول على خدمة الثروات المقيمة في الإمارات، وتقديم منتجات تربط المستثمرين بالأسواق العالمية.
إدارة المخاطر وسط التقلبات
تترافق فرص النمو في آسيا مع مخاطر تشمل التوترات الجيوسياسية، وتقلب العملات، وتغير السياسات النقدية، والتفاوت في أداء الاقتصادات والأسواق.
وتقول عباس إن التعامل مع هذه المخاطر يبدأ من توزيع الاستثمار على أكثر من سوق وفئة أصول ومصدر للعائد، بدلا من بناء المحفظة حول توقع واحد أو قطاع محدد.
ويهدف هذا النهج إلى تمكين المستثمر من الاستفادة من الاتجاهات طويلة الأجل، مع تقليل تأثير التراجع الحاد في سوق أو أصل منفرد.
كما يسمح توزيع الأصول بإجراء تعديلات دورية على المحفظة وفقا لتغير التضخم والفائدة والنمو الاقتصادي، بدلا من الالتزام بتوزيع ثابت لا يستجيب لتطورات الأسواق.
وترى عباس أن الطلب على هذه المرونة يرتفع بين المستثمرين ذوي الطابع العالمي، الذين يريدون الجمع بين فرص النمو والقدرة على الحفاظ على رأس المال خلال الدورات المتقلبة.
هل تصبح آسيا الخيار الأول؟
عند النظر إلى السنوات الـ5 المقبلة، تضع عباس آسيا والمحيط الهادئ في مقدمة مناطق النمو الجاذبة عالميا، مع التأكيد أن التنويع يظل الأساس لأي استراتيجية استثمارية طويلة الأجل.
وتجمع المنطقة بين النمو الاقتصادي والابتكار وارتفاع ثروات المستهلكين والتطور السريع لأسواق رأس المال، ما يمنحها وزنا متزايدا في المحافظ الدولية.
كما تكتسب آسيا أهمية إضافية لدى المستثمرين المقيمين في الإمارات بفعل توسع العلاقات التجارية والاستثمارية بين الخليج ودول مثل الصين والهند وسنغافورة وإندونيسيا.
وتتوقع عباس استمرار تعمق النشاط الاستثماري بين الشرق الأوسط وآسيا، بما يبقي اهتمام المستثمرين الإماراتيين والمنطلقين من الإمارات بالمنطقة عند مستويات قوية.
الثروة تتحرك شرقا
تكشف هذه التحولات أن صعود الإمارات كمركز عالمي للثروة لا يعتمد على الأموال التي تستقطبها فقط، وإنما على قدرتها على إعادة توزيع تلك الأموال عبر الأسواق الدولية.
وتستفيد الدولة من موقعها الجغرافي وبنيتها المالية وشبكة اتفاقياتها وعلاقاتها التجارية في التحول إلى مركز لإدارة الأصول العابرة للحدود.
وفي المقابل، تقدم آسيا للمستثمرين المقيمين في الإمارات مزيجا من النمو والتقنية والاستهلاك والتصنيع، إضافة إلى فرصة لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية التقليدية.
وتظل قوة هذا الاتجاه مرتبطة بقدرة المؤسسات المالية على توفير خبرة محلية داخل الأسواق الآسيوية، ومنتجات واضحة من حيث المخاطر والتكاليف والسيولة، بدلا من تقديم المنطقة كفرصة نمو موحدة تخلو من التباينات.
ومع استمرار انتقال الثروات إلى الإمارات، قد يصبح الدور الأهم للدولة خلال السنوات المقبلة مرتبطا بتحويلها إلى نقطة وصل بين رأس المال العالمي ومناطق النمو الجديدة، وفي مقدمتها آسيا والمحيط الهادئ.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

