تكشف مؤشرات الربع الثاني من 2026 سوقا متفاوت الأداء، تقوده المكاتب واللوجستيات، بينما تتراجع الصفقات السكنية وتواجه الضيافة ضغوطا مرحلية.
يدخل القطاع العقاري السعودي مرحلة يصبح فيها تنفيذ المشاريع وتشغيلها وتحقيق العائد منها أكثر أهمية من حجم الخطط المعلنة. وتظهر ملامح هذا التحول في تقرير “سي بي آر إي” عن الربع الثاني من 2026، إذ حافظت المكاتب والخدمات اللوجستية على زخم قوي، في وقت تباطأت المعاملات السكنية وتأثر الطلب الفندقي بالاضطرابات الإقليمية.
وتستند حركة السوق إلى اقتصاد غير نفطي سجل نموا سنويا بنسبة 2.9 بالمئة خلال الربع الأول، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3 بالمئة. ووفقا لـالهيئة العامة للإحصاء، أسهمت الأنشطة غير النفطية بنحو 1.7 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي، وهي المساهمة الأكبر بين مكونات الناتج.
وفي المقابل، تفرض حالة عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية قدرا أكبر من الانتقائية في توجيه الإنفاق والاستثمارات. لذلك يتركز الاهتمام على المشاريع القابلة للتسليم والتشغيل، بالتوازي مع تقدم أعمال النقل والسياحة والترفيه والتطوير العمراني في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة والمنطقة الشرقية وعسير.
المكاتب واللوجستيات تقودان الأداء
يبقى سوق المكاتب من أقوى قطاعات العقار السعودي، خصوصا في الرياض، حيث يتجاوز الطلب على المساحات من الفئة “أ” المعروض المتاح. ويأتي جانب من هذا الطلب من الشركات الدولية المرتبطة ببرنامج المقرات الإقليمية، إلى جانب توسع قطاعات التقنية والرعاية الصحية والخدمات المالية والاستشارات.
وتجاوز إجمالي المساحات المكتبية القابلة للتأجير في العاصمة 6 ملايين متر مربع، بينما اقترب إشغال المكاتب المتميزة من طاقته الكاملة. ويمنح هذا النقص ملاك الأصول الحديثة قدرة أكبر على الحفاظ على الإيجارات، حتى مع دخول مساحات جديدة إلى السوق.
ويظهر اتجاه مشابه في القطاع الصناعي واللوجستي، حيث أدى نمو التجارة الإلكترونية وتوطين الصناعات وتطوير السكك الحديدية والموانئ والممرات التجارية إلى زيادة الطلب على المستودعات الحديثة. وفي الوقت نفسه، ما زالت المساحات عالية الجودة محدودة في الأسواق الرئيسة، ما دعم نمو الإيجارات في الرياض وجدة خلال الربع الثاني.
وتعني هذه المؤشرات أن الطلب يتركز في العقارات المرتبطة مباشرة بالنشاط الاقتصادي، سواء عبر توفير مقار للشركات أو خدمة شبكات الإنتاج والتوزيع. كما تكشف اتساع الفجوة بين الأصول الحديثة والمخزون الأقدم، مع ارتفاع متطلبات المستأجرين في الجودة والتقنية وكفاءة التشغيل.
تراجع الصفقات لا يوقف الأسعار
يقدم القطاع السكني الصورة الأكثر تعقيدا في التقرير. فقد انخفض عدد معاملات الشقق والفلل والأراضي بنسبة 14 بالمئة على أساس سنوي إلى نحو 41 ألف معاملة، بينما تراجعت قيمتها بنسبة 27 بالمئة إلى قرابة 38 مليار ريال.
وعلى الرغم من تقلص النشاط، ارتفع مؤشر أسعار العقارات السكنية على المستوى الوطني بنسبة 2.6 بالمئة. ويشير هذا التباين إلى أن انخفاض عدد الصفقات لم يتحول بعد إلى تراجع عام في الأسعار، في ظل استمرار الطلب وندرة الأراضي داخل بعض الأسواق الحضرية الرئيسة.
وقد يضيف تطبيق الإطار المنظم لملكية غير السعوديين للعقارات مصدرا جديدا للطلب في المناطق التي تحددها اللوائح. إلا أن الأثر الفعلي سيعتمد على المواقع المتاحة، والأسعار، وآليات التمويل، وحجم المشاركة الدولية بعد دخول القواعد حيز التنفيذ.
وعلى جانب المعروض، تتقدم المجمعات السكنية المخططة على نطاق واسع، ومن بينها مشروع “مورسيا” التابع للشركة الوطنية للإسكان في الرياض، الذي يتوقع تسليم أكثر من 5,500 وحدة فيه بنهاية 2026. وقد تساعد هذه الوحدات في توسيع الخيارات السكنية، لكنها تضع المطورين أمام اختبار سرعة الامتصاص وقدرة المشترين على تحمل الأسعار.
التجزئة والضيافة أمام اختبار الطلب
يحصل قطاع التجزئة على دعم من الإنفاق الاستهلاكي، إذ ارتفعت قيمة عمليات نقاط البيع من 58.4 مليار ريال في أبريل إلى 63.1 مليار ريال في مايو، مع تسجيل 1.1 مليار معاملة. وينشر البنك المركزي السعودي بيانات دورية ترصد قيمة وعدد هذه العمليات بحسب الأنشطة والمدن.
ومن المتوقع دخول قرابة 400 ألف متر مربع من المساحات التجارية الجديدة بحلول نهاية 2026. ويشير تقرير “سي بي آر إي” إلى أن معدل الشواغر يدور حول 6 بالمئة، بينما تستقر إيجارات المراكز التجارية الكبرى عند قرابة 3,275 ريالا للمتر المربع.
ويضع اتساع المعروض المشاريع الجديدة أمام منافسة تتجاوز الموقع والمساحة، لتشمل تجربة الزائر ومزيج المستأجرين والأنشطة الترفيهية والمطاعم. فزيادة الإنفاق الإلكتروني تغير وظيفة المراكز التجارية، وتدفعها نحو الاعتماد بدرجة أكبر على الخدمات والتجارب التي يصعب تقديمها رقميا.
أما قطاع الضيافة، فسجل أداء أضعف خلال النصف الأول من 2026، متأثرا بتراجع سفر الأعمال واستمرار القلق الإقليمي. وبلغ عدد الغرف الفندقية في المملكة نحو 177 ألف غرفة بنهاية الربع الثاني، مع استمرار إضافة مشاريع في الرياض وجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وساحل البحر الأحمر.
ويجعل ذلك أداء الفنادق مرتبطا بقدرة الطلب السياحي والديني والترفيهي على مواكبة وتيرة دخول الغرف الجديدة. كما ستكتسب مؤشرات الإشغال ومتوسط السعر اليومي والعائد لكل غرفة أهمية أكبر في تقييم جدوى المشروعات خلال المرحلة المقبلة.
وقال ماثيو جرين، رئيس قسم الأبحاث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى “سي بي آر إي”: “ما يلفت الانتباه بشكل كبير في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية هو حجم الإنجازات التي تتحقق على أرض الواقع، فبدءا من مشاريع البنية التحتية الكبرى والمشاريع التجارية وصولا إلى المجمعات السكنية الجديدة والوجهات السياحية، تتحول الاستثمارات بشكل متزايد إلى إنجازات ملموسة. وبفضل الدعم الذي يوفره الاقتصاد غير النفطي المتنامي والإصلاحات التنظيمية التقدمية، بما في ذلك تطبيق الإطار الجديد لملكية العقارات لغير السعوديين، تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز مكانتها كواحدة من أكثر الوجهات جاذبية للاستثمار العقاري على مستوى العالم. يمر السوق حاليا بمرحلة انتقالية جديدة، حيث أصبحت عمليات التسليم والإشغال وأداء الاستثمارات ذات أهمية لا تقل عن حجم المشاريع قيد التطوير.”
وتختصر هذه المرحلة معادلة السوق العقاري السعودي في 2026: ما زالت المشاريع والإنفاق العام يوفران قاعدة واسعة للنمو، إلا أن التقييم ينتقل تدريجيا إلى مؤشرات أكثر دقة، تشمل التسليم في موعده، وسرعة الإشغال، وقدرة الأصول على توليد دخل فعلي.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

