لم تعد السكك الحديدية في السعودية مجرد خطوط تربط مدنا أو تنقل الركاب بين محطتين، بل أصبحت جزءا من مشروع أوسع لإعادة بناء منظومة النقل والخدمات اللوجستية في المملكة.
ولهذا يأتي إطلاق أول برامج بكالوريوس متخصصة في النقل السككي في توقيت له دلالته.
فجامعة الملك عبدالعزيز والهيئة العامة للنقل أطلقتا برنامجين هما بكالوريوس هندسة وتخطيط سكة الحديد وبكالوريوس العلوم في إدارة اللوجستيات وخدمات النقل السككي، في أول تخصصات من نوعها على مستوى البكالوريوس في السعودية. وصممت البرامج لتتوافق مع احتياجات سوق العمل ونمو القطاع.
السؤال هنا ليس لماذا تحتاج السعودية إلى هذا التخصص، بل: لماذا ظهر الآن تحديدا؟
الإجابة تبدأ من حجم التحول الذي يشهده قطاع السكك الحديدية نفسه.
من بناء القطارات إلى بناء من يشغلها
لسنوات، تركز الحديث حول السكك الحديدية في السعودية على المشاريع: مسارات جديدة، قطارات سريعة، محطات وشبكات لنقل البضائع.
لكن كل توسع في البنية التحتية يولد احتياجا موازيا إلى كوادر تستطيع تخطيط الشبكات وتشغيلها وصيانتها وإدارة تدفقات الركاب والبضائع عليها.
وهذا ما يجعل دخول النقل السككي إلى مرحلة البكالوريوس تحولا مهما، إذ ينتقل إعداد الكفاءات من التدريب المرتبط بوظائف محددة إلى بناء تخصص أكاديمي كامل يجمع الهندسة والتخطيط واللوجستيات.
وتوضح جامعة الملك عبدالعزيز أن برنامج هندسة وتخطيط سكة الحديد تشرف عليه كليتا الهندسة والعمارة والتخطيط، فيما يقدم برنامج إدارة اللوجستيات وخدمات النقل السككي من خلال كليتي الاقتصاد والإدارة والسياحة.
هذا التقاطع بين أربع كليات يعكس طبيعة صناعة القطارات نفسها: فهي ليست هندسة سكك فقط، بل منظومة تشمل التخطيط الحضري والتشغيل وإدارة المحطات والشحن وسلاسل الإمداد وخدمة المسافرين.
13.2 مليون راكب.. والرقم يشرح التوقيت
أحد الأسباب المباشرة للحاجة إلى تخصصات جديدة هو نمو الاستخدام الفعلي للقطارات.
تقول وزارة النقل والخدمات اللوجستية إن شبكات السكك الحديدية في السعودية تنقل أكثر من 13.2 مليون مسافر سنويا.
ويستحوذ قطار الحرمين السريع على أكثر من 6.2 مليون مسافر، فيما يسجل قطار المشاعر نحو 2.1 مليون، وقطار الشرق أكثر من 1.3 مليون، وقطار الشمال نحو 700 ألف مسافر، إضافة إلى 2.9 مليون راكب على قطار جامعة الأميرة نورة.
هذه الأرقام تعني أن السكك الحديدية أصبحت بالفعل نظام نقل واسع الاستخدام، وليس قطاعا ينتظر مشاريعه المستقبلية كي يبدأ العمل.
وكلما ارتفع عدد الركاب، ارتفعت الحاجة إلى متخصصين في السلامة والتشغيل والتخطيط وإدارة السعة والصيانة وتجربة المستخدم.
السكك ليست للركاب فقط
التحول الأكبر قد يكون في الشحن.
فالاستراتيجية السعودية للنقل تنظر إلى السكك الحديدية كجزء من شبكة أوسع تستهدف ربط الموانئ والمراكز الصناعية والمدن والمناطق اللوجستية، ورفع كفاءة حركة البضائع داخل المملكة.
وتضع وزارة النقل ضمن أهداف قطاع السكك الحديدية زيادة القدرة الاستيعابية لنقل البضائع وتحسين العمليات اللوجستية، إلى جانب توسيع الشبكة ورفع أعداد الركاب وتطبيق التقنيات الذكية وتحسين السلامة.
وتملك المملكة بالفعل شبكة قطارات مخصصة لنقل البضائع، من بينها خط الشمال للشحن الذي يمتد لنحو 1,550 كيلومترا ويربط مناطق التعدين في شمال المملكة بالقصيم ومواقع أخرى ضمن الشبكة.
وهنا تصبح دراسة “إدارة اللوجستيات وخدمات النقل السككي” أكثر ارتباطا بالاقتصاد من مجرد إدارة رحلة قطار.
فالطالب الذي يتخرج من هذا المسار قد يعمل مستقبلا في إدارة حركة الحاويات، وربط المصانع والموانئ بالسكك الحديدية، وتحسين جداول الشحن وتكلفة نقل البضائع.
السعودية تريد مركزا لوجستيا عالميا
السياق الأكبر هو الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.
تستهدف المملكة الوصول إلى مصاف أفضل 10 دول عالميا في مؤشر الأداء اللوجستي، إلى جانب تحسين الترابط المحلي والإقليمي والدولي لشبكات النقل والتجارة وتبني أنظمة نقل حديثة.
وهذا الطموح لا يمكن أن يعتمد على الطرق والمطارات والموانئ وحدها.
فالسكك الحديدية تمنح الاقتصاد خيارا مهما لنقل كميات كبيرة من البضائع لمسافات طويلة بكفاءة، وربط المراكز اللوجستية بالموانئ والمناطق الصناعية.
وتوضح وزارة النقل أن أحد أهداف الاستراتيجية يتمثل في ترسيخ موقع السعودية كمركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث، مع تحسين الاتصال بين شبكات التجارة والنقل.
ومن هنا يمكن قراءة البرامج الجامعية الجديدة باعتبارها جزءا من البنية التحتية نفسها: المملكة تبني خطوطا ومحطات ومراكز لوجستية، لكنها تحتاج بالتوازي إلى بناء رأس المال البشري الذي سيديرها.
لماذا لم تكن التخصصات موجودة سابقا؟
لأن حجم السوق نفسه كان مختلفا.
عندما يكون عدد المشروعات محدودا، تستطيع الشركات الاعتماد بدرجة أكبر على مهندسين من تخصصات تقليدية مثل الهندسة المدنية والميكانيكية والكهربائية، ثم تدريبهم داخل القطاع.
لكن مع توسع الشبكة، يصبح وجود تخصص دقيق أكثر منطقية.
مهندس السكك يحتاج إلى معرفة تختلف عن مهندس الطرق، من هندسة المسار والإشارات وأنظمة التحكم إلى تصميم المحطات والتقاطعات ومتطلبات السلامة.
وفي الجهة الأخرى، يحتاج تشغيل الشبكة إلى متخصصين يفهمون العلاقة بين حركة القطارات والموانئ والمخازن والمراكز اللوجستية وسلاسل الإمداد.
ولهذا فإن إنشاء برنامجين بدلا من برنامج هندسي واحد يشير إلى أن الطلب المتوقع يمتد من البنية التحتية إلى التشغيل التجاري واللوجستي.
القطارات تدخل مرحلة أكثر تعقيدا
قطاع السكك السعودي يتحرك أيضا باتجاه استخدام التقنيات الحديثة.
وتضع وزارة النقل الابتكار وتطبيق الحلول الذكية ضمن أهداف القطاع، إلى جانب السلامة والموثوقية وتحسين الأداء التشغيلي.
وهذا يعني أن وظائف السكك الحديثة لا تتوقف عند قيادة القطارات أو صيانة القضبان.
القطاع يحتاج إلى تخصصات مرتبطة بأنظمة الإشارات والتحكم، وتحليل بيانات الرحلات، والصيانة التنبؤية، وإدارة الشبكات، والتخطيط المتكامل بين القطارات ووسائل النقل الأخرى.
ومع ارتفاع مستوى الأتمتة، يصبح تأهيل الكوادر داخل الجامعات أكثر أهمية من الاعتماد على التدريب بعد التوظيف فقط.
التوطين يدخل قطاع السكك
هناك سبب آخر يرتبط بسوق العمل.
الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية تربط تطوير القطاع بتنمية القدرات البشرية وزيادة التوظيف، فيما تؤكد الهيئة العامة للنقل أن الاستثمار في الكفاءات الوطنية يمثل إحدى ركائز تحقيق مستهدفات الاستراتيجية.
وبالتالي، يمكن أن تساعد البرامج الجديدة في تكوين قاعدة من الخريجين السعوديين المؤهلين لشغل وظائف تخصصية كان جزء منها يعتمد تاريخيا على خبرات دولية أو على تدريب موظفين قادمين من تخصصات أخرى.
والأثر هنا يتجاوز الوظائف المباشرة في شركات القطارات، ليشمل شركات التصميم والهندسة والمقاولات والاستشارات واللوجستيات والتكنولوجيا التي تعمل حول الشبكة.
لماذا جامعة الملك عبدالعزيز؟
اختيار جدة لإطلاق أول هذه البرامج يحمل أيضا بعدا عمليا.
فالمدينة تقع ضمن واحدة من أهم المناطق الاقتصادية واللوجستية في المملكة، وترتبط بميناء جدة الإسلامي، وقطار الحرمين السريع، وشبكات طرق ومشاريع نقل تخدم مكة والمدينة والمنطقة الغربية.
كما أن الشراكة بين الجامعة والهيئة العامة للنقل لم تبدأ مع إطلاق البرامج، إذ تعود إلى مذكرة تفاهم وقعت في نوفمبر 2024 لتبادل المعرفة وتطوير البرامج التدريبية وتنمية الكفاءات في مجال النقل السككي.
وبذلك جاء إطلاق البكالوريوس نتيجة مسار تعاون سبقته دراسة لاحتياجات القطاع، وليس إضافة أكاديمية منفصلة عن سوق العمل.
الاختبار الحقيقي يبدأ عند التخرج
إطلاق التخصصات هو الخطوة الأولى فقط.
الاختبار الأهم سيكون في قدرة الجامعات والجهات المشغلة على تحويل البرامج إلى مسارات وظيفية واضحة، وتوفير التدريب العملي للطلاب داخل المشروعات والمحطات ومراكز التحكم وشبكات الشحن.
كما سيحدد حجم المشاريع الجديدة وسرعة تنفيذها عدد الوظائف التي يستطيع القطاع توفيرها للخريجين.
لكن الرسالة التي يحملها توقيت إطلاق البرامج واضحة: السعودية تتعامل مع السكك الحديدية كقطاع سينمو بما يكفي ليحتاج إلى سوق مهارات مستقل خاص به.
فبعد مرحلة كان السؤال فيها كم كيلومترا من السكك ستبني المملكة؟، يظهر الآن سؤال مختلف:
من سيخطط لهذه الشبكات ويشغلها ويدير البضائع والركاب فوقها؟
إطلاق أول بكالوريوس سعودي في النقل السككي يقدم جزءا من الإجابة.
المزيد من أريبيان بزنس
لجميع الأحدث أخبار الأعمال من الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، تابعونا على Twitter و LinkedInتابعنا على Facebook والاشتراك في موقعنا YouTube الصفحة، والتي يتم تحديثها يومياً
المصدر – أريبيان بزنس

