اتفاقية ” مكة للدفاع المشترك” توسيع لآفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري
المحلق الإعلامي السابق في قنصلية تركيا في جدة بهاء الدين أكيون
في ظل توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية، والتي تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، كما تُعنى الاتفاقية بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينهم.
تظل الأسئلة الأهم ما الدلالة السياسية والدبلوماسية لانعقاد قمة مكة المكرمة بهذا المستوى بين السعودية وتركيا وباكستان؟ وهل نحن أمام ولادة محور دبلوماسي سعودي–تركي–باكستاني جديد، أم أن ما جرى في قمة مكة هو تطوير للتنسيق بين ثلاث دول تجمعها مصالح مشتركة في لحظة إقليمية استثنائية؟ هل يعكس البيان المشترك انتقال العلاقات بين الدول الثلاث من التنسيق السياسي إلى شراكة استراتيجية أكثر مؤسسية؟
وهل يمكن اعتبار القمة رسالة إلى الإقليم بأن الدول الثلاث تسعى إلى بناء ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقلالية؟
المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية الدكتورة ولاء بنت عبدالله قالت للرياض: “لم يكن انعقاد قمة مكة المكرمة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة استراتيجية تعكس تحولات متسارعة في بنية العلاقات الإقليمية،فاختيار مكة المكرمة، بما تمثله من رمزية دينية وحضارية، يضيف إلى الاتفاق بعدًا من القوة الناعمة التي طالما أحسنت المملكة توظيفها في صناعة التوافقات، لتؤكد أن الدبلوماسية السعودية لم تعد تكتفي بإدارة الأزمات، بل أصبحت تقود هندسة شراكات إقليمية أكثر رسوخًا واستدامة.
وأضافت: ” وتكشف مخرجات القمة أن الدول الثلاث تتجه نحو بناء نموذج جديد من التعاون، يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والرؤية الإستراتيجية طويلة المدى، بعيدًا عن منطق المحاور التقليدية والاستقطابات الحادة.
وبينت الدكتورة ولاء أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك شراكة استراتيجية لا محور مغلق، ومن من المبكر وصف ما جرى بولادة محور سياسي بالمعنى التقليدي، فالدول الثلاث لا تسعى إلى إنشاء تكتل مغلق، وإنما إلى تطوير مستوى التنسيق ليصبح شراكة استراتيجية مؤسسية قادرة على الاستجابة للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وأكدت الدكتورة عبدالله أن الاتفاقية تعكس إدراكًا مشتركًا بأن الأمن لم يعد قضية وطنية منفصلة، بل منظومة مترابطة تتطلب تنسيقًا دائمًا، وهو ما يمنح العلاقات السعودية والتركية والباكستانية بعدًا أكثر استقرارًا واستدامة.
ولفتت الدكتورة ولاء إلى أن البيان المشترك يؤكد أن العلاقات تجاوزت مرحلة التشاور السياسي التقليدي إلى مرحلة بناء مؤسسات للتنسيق الإستراتيجي، بما يشمل التخطيط المشترك، وتكامل القدرات، وتبادل الخبرات، وصياغة مواقف متقاربة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وأن هذا التحول يمنح التعاون الثلاثي صفة الاستمرارية، ويجعله أقل ارتباطًا بالظروف الآنية وأكثر قدرة على مواجهة المتغيرات المستقبلية.
وعن السمات التي تميز هذا التفاهم والتحالف الجديد قالت : تكمن خصوصية هذا التفاهم في أنه يجمع بين ثلاث دول تمتلك عناصر قوة متكاملة لا متنافسة؛ فالسعودية تمثل الثقل السياسي والاقتصادي والروحي في العالم الإسلامي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتقنية ودفاعية متقدمة، بينما تشكل باكستان قوة عسكرية ذات خبرة إستراتيجية وموقع جغرافي يربط الخليج بجنوب آسيا، وأضافت : هذه المعادلة تنتج شراكة قائمة على تكامل الأدوار وليس تكرارها، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الاستمرار مقارنة بالعديد من التحالفات الإقليمية التي قامت على ردود الفعل المؤقتة.
وعن مضامين التحالف الجديد قالت الدكتورة عبدالله : تحمل قمة مكة رسالة واضحة مفادها أن دول المنطقة أصبحت أكثر قدرة على صياغة ترتيباتها الأمنية والسياسية انطلاقًا من مصالحها الوطنية، مع المحافظة على سياسة الانفتاح والتوازن في علاقاتها الدولية، ولا تعني هذه الرسالة الانعزال عن النظام الدولي، بل تؤكد أن الاستقرار الإقليمي يمكن أن يُبنى أيضًا من داخل الإقليم عبر شراكات مسؤولة تقودها دول تمتلك الإرادة السياسية والإمكانات الإستراتيجية.
وأوضحت الدكتورة ولاء أن من ثمار الاتفاق بالنسبة للمملكة، تمثل هذه الشراكة امتدادًا طبيعيًا لدبلوماسيتها النشطة، وتعزز قدرتها على لعب دور الوسيط وصانع التوافقات في ملفات المنطقة، مستفيدة من مكانتها السياسية وثقلها الاقتصادي وموقعها الروحي، كما تمنح الرياض مساحة أوسع لقيادة المبادرات الإقليمية التي تربط بين الأمن والتنمية، وتؤكد أن القوة الناعمة السعودية أصبحت عنصرًا مكملًا للقوة السياسية والاقتصادية في صناعة القرار الإقليمي.
المكاسب التركية
أما تركيا، فتكسب من هذا التقارب شراكة مع الدولة الأكثر تأثيرًا عربيًا وإسلاميًا، بما يعزز حضورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، ويوسع آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري والدفاعي، ويمنحها منصة أكثر توازنًا للتعامل مع الملفات الإقليمية.
المكاسب الباكستانية
وتوفر الاتفاقية لباكستان فرصة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية عبر الاندماج في شراكة تجمع بين القوة الاقتصادية السعودية والقدرات الصناعية التركية، بما يدعم دورها السياسي، ويعزز حضورها في معادلات الأمن الإقليمي، ويفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتعاون الدفاعي.
مكة… حين تتحول الجغرافيا إلى دبلوماسية
وأشارت الدكتورة ولاء إلى أن اختيار مكة المكرمة يبقى عنوانًا لهذه القمة هو الرسالة الأعمق، فالمملكة تؤكد مرة أخرى أن قوتها الناعمة لا تقتصر على البعد الديني، بل تمتد إلى قدرتها على تحويل المكانة الروحية إلى منصة لبناء الثقة وصناعة الشراكات.
وقالت : وهكذا تثبت المملكة أن مكة ليست فقط قبلةً تهوى إليها القلوب، بل أيضًا منارةٌ تنبثق منها الحلول، وفي رحابها تتلاقى القوى، وتتوازن المصالح، وتُرسم ملامح مرحلة جديدة من الدبلوماسية الإقليمية؛ دبلوماسية تجعل الحوار والتكامل أساسًا للأمن، وتمنح المنطقة نموذجًا أكثر استقرارًا وفاعلية في مواجهة تحديات المستقبل.
في الاتجاه ذاته قال الدبلوماسي والمحلق الإعلامي السابق في قنصلية تركيا في جدة بهاء الدين أكيون : هي اتفاقية تاريخية في مدينة مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية، في يوم الجمعة بجوار البيت العتيق، وعلى جبل الصفا التاريخي حيث “قصر الصفا الملكي” —وهو مكان تُؤكَّد فيه الوحدة والتضامن داخل العالم الإسلامي، وتُستقبل فيه وفود المملكة وضيوفها، وكلها رسائل عالمية، تستثمر مكان ومقومات الدول الإسلامية العملاقة الثلاث.
المصدر – جريدة الرياض

