تأخذنا الكاتبة والصحافية ندى عبدالصمد، التي أصدرت عدة كتب منها «أيام الحجارة 1990»، وكتاب «وادي أبو جميل قصص عن يهود بيروت 2010». إلى عوالم القراءة من خلال ما اطلعت عليه مؤخراً وتوصي بقراءتها..
لعنة باب عكا مروان طراف..
ولدت فكرة الرواية من رحم أحداث حقيقية عاشها الكاتب شخصياً، حين عثر في منزله المهجور في بلدة كفرتبنيت الجنوبية، الواقعة بين قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر، على قصاصات من الأوراق تركها خلفهم فدائيون من الكتيبة الطلابية، كانوا قد لجأوا إلى المنزل واتخذوه مأوى لهم وذلك في الفترة التي كان العمل الفدائي ناشطاً فيها انطلاقاً من الأراضي اللبنانية ومن الجنوب اللبناني تحديداً. وقد أثارت الأوراق فضوله ودفعته للبحث عن أصحابها وعن الظروف التي قادتهم الى هذا المنزل وما الذي حل بهم بعد رحيلهم. ومع كل اجابة كانت تتكشف له خيوط قصص شخصية وحكايات تداخلت خيوطها فاكتملت في نص الكتاب. فالرواية تحكي قصة عائلة عكاوية مسيحية، هجّرت إلى رأس بيروت خلال النكبة، وعاشت تجارب مليئة بالألم والمعاناة وهي تبدا من حياة تلك العائلة في عكا قبل انتقالها الى بيروت وبعدها كيف حاولت هذه العائلة ان تبني حياتها من جديد في بيروت الى ان فجعت بموت ابنها الوحيد خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982. هي رواية بدأت من العثور على ورقة في بيت جنوبي واكملت في تتبع مصير تلك العائلة الفلسطينية. هو نفسه البيت الذي لجأ اليه المقاتلون الفلسطينيون تحول الان الى كتلة من الرماد بعد ان اغارت عليه الطائرات الإسرائيلية في أيلول سبتمبر الماضي.
تحية لكتالونيا جورج أوروويل..
يقدم الكاتب شهادة شخصية عن مشاركته بالحرب الاهلية الاسبانية بعد ان اتى الى برشلونة لتغطيتها فوجد نفسه متطوعا للقتال الى جانب ثوار المدينة. لكنه انتهى الى خلاصة في كتابه الذي صدر عام 1938 الى ان الحروب «تأتي دائماً بوعود العدالة والحرية، لكنها لا تلبث أن تكشف عن وجهها الحقيقي حين تتطاحن الأيديولوجيات وتُدهس أرواح البشر تحت عجلات الصراع على السلطة». المنعطف الأهم في الكتاب يحدث عندما يعود أوروويل إلى برشلونة في إجازة، بعد ان امضى أسابيع من القتال في جبال اراغون وقراها ليجد أن الصورة قد انقلبت رأساً على عقب فالثورة الشعبية التي شاهدها وجاء لتغطيتها قد جرى وأدها نتيجة الصراعات الداخلية وقد تحولت الى صراعات دموية. تتيح لنا العودة الى ادب الحروب والشهادات الأدبية العالمية رؤية النتائج المتكررة للحروب، فالصراعات المسلحة كما يشير الكتاب تتوقف عسكرياً في النهاية، لكن آثارها تبقى محفورة لفترات زمنية متكررة ولا تشكل بالضرورة دروسا وعبر.
المولودة نادية كامل..
تستعيد الكاتبة والمخرجة المصرية نادية كامل سيرة والدتها نائلة كامل (المولودة باسم ماري إيلي روزنتال لأب يهودي وأم مسيحية) المولودة هو أكثر من سيرة عائلية، كتاب يستعيد جانباً من تاريخ مصر عبر حياة نائلة كامل، التي انخرطت في الحركة الشيوعية في مصر وتزوجت الصحافي والمناضل سعد كامل. ومن خلال صوت الأم وتفاصيل ذاكرتها، تكتب نادية كامل عن مجتمع تعدّدت فيه الانتماءات والعلاقات، وعن التحولات السياسية والاجتماعية التي غيرت ملامحه. وتكمن خصوصية العمل في أنه لا يقدم التعايش باعتباره صورة مثالية عن الماضي، بل يروي حياةً بما فيها من تناقضات وانتماءات متعارضة وأسئلة لم تُحسم. ويدفع الكتاب القارئ الى طرح أسئلة عن الهوية والانتماء والذاكرة، وعن قدرة الحكايات الشخصية على استعادة وجوه مجتمع غيرت التحولات السياسية والاجتماعية ملامحه. ولا تكتفي «المولودة» بتوثيق سيرة امرأة وعائلتها، بل تتيح للقارئ الاقتراب من تاريخ اجتماعي متحول، عبر أصوات وتجارب إنسانية.
مهندسو الفوضى جوليانو دا إمبولي..
الكتاب يفند كيفية استخدام الذكاء الرقمي والخوارزميات من قبل التيارات الشعبوية للوصول الى السلطة. ويشير الى كيفية استخدام شركات وسائل التواصل الاجتماعي بهدف نشر نظريات المؤامرة وتأجيج الخوف والغضب. ويسلط الكاتب الضوء على دور خبراء البيانات والتكنولوجيا في توجيه الرأي العام والتأثير في سلوك الناخبين؛ حيث يوضح كيف انتقلت الحملات السياسية من التنافس على البرامج والرؤى العقلانية إلى استثمار الخوف والغضب والإحباط، عبر تحليل البيانات الضخمة وصياغة رسائل موجهة تستهدف المشاعر وتبني على الانقسام داخل المجتمعات. فالفوضى حسب الكاتب لم تعد مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل تحولت إلى أداة منظمة لتعبئة الجماهير وإضعاف الثقة بالمؤسسات. وقد حاول الكاتب قراءة نتائج الانتخابات بالاستناد الى تلك الاساليب التي اثبتت ان التلاعب بمشاعر الناخبين واثارة الخوف لديهم من عناوين داخلية يدفعهم للانتخاب بضوء تلك المشاعر.
لعنة لبنان
محمد أبي سمرا..
يضعنا الكاتب أمام خلفية تاريخية لتفكك الأمكنة، وكيف تشكّلت هذه الحواضر المكتظة، من هجرات ونزوح وحروب متتالية. ففهم هذا التاريخ يساعد القارئ على استيعاب معنى «النزوح الجديد» والدمار الحالي، وكيف أن المكان ليس مجرد كتلة إسمنتية بل هو خزان ذاكرة إنسانية واجتماعية تشكلت عبر عقود. فقدم تاريخاً حيّاً لزمان ما زال مستمراً، وغاص في السير الفردية والجماعية للأفراد ومسارات الأماكن التي تحوّلت بساتينها وخطوط تماسها خلال الحرب إلى متاريس عمرانية وذاكرة تتراكم على تطورات لا تنتهي. وتتضاعف أهمية هذا الكتاب اليوم في ظل الحرب التي يعرفها لبنان والغارات والاعتداءات ، فالكتاب لا يكتفي بفهم الجذور التاريخية والديموغرافية لما نراه من دمار ونزوح جديد، بل يضعنا أمام تشخيص دقيق لدوامة التكرار للحروب: «أفلا يسأم البشر من التكرار…»، مذكرًا بأن الكلفة الحقيقية للحروب تُحسب دائماً بذاكرة المكان وأرواح الأفراد التي تستقر في وعيهم.
ندى عبدالصمد
المصدر – جريدة الرياض

