تعد تجربة الفنان «إبراهيم بوقس» من التجارب الراسخة المميزة في الساحة التشكيلية السعودية، والتي استطاع خلالها أن يؤسس لنفسه بصمة بصرية خاصة ترتكن إلى «أدلجة الموروث بصريًّا» عبر توظيف التاريخ والأفكار والإرث (عادات، نصوص، قيم) واستدعائها كوسائط بمرشحات وأسلوبيات تعبيرية وتجريدية.
لذا يعتبر الفنان «إبراهيم بوقس» من الفنانين الذين ساهموا بفاعلية في مرحلة «التأصيل» للفن البصري السعودي، محلقًا بفرشاته في سماء الفن الرفيع ليعزف المنظومات البصرية الرصينة؛ كما أنه واحدٌ من الأسماء التي استطاعت تطويع ما بعد الحداثة والمعاصرة محولًا إياهما إلى أدوات تقنية وبصرية منحت أعماله ثقلها التاريخي وصدقها العاطفي والتعبيري، وهو ما عزز الهوية والذاكرة المكانية الحية للمملكة، وجعلها جزءًا من لغة الفن المعاصر.
وقد انبثقت الأطروحات الإبداعية للفنان «إبراهيم بوقس» من نسق عاطفي تعبيري كنتاج لتأمل وتحليل جوهر طبيعته المكانية وموروثها المادي، لتصدير أعمال تأملية تجريدية مستوحاة من منظور ذاتي مشبع بإنسانية خاصة، خلال أسلوبية حداثية تدلل على ذلك الحضور المتمايز لفنان حالم يسرد ويسطر ويدشن لعوالم لونية إيقاعية حالمة، في تنظيم رمزي متماسك، عن طريق عمليات الاندماج والتكثيف والإزاحة والتعويض.
حيث يمتلك الفنان «إبراهيم بوقس» قدرة على «التقمص الوجداني» وتجاوز فكرة «البناء ككتلة هندسية» للوصول إلى البناء ككائن له ملامح، و»أنسنة» للعناصر، وتحويل المادة الصماء إلى «كيان» يحمل مشاعر وذاكرة، وإعطاء «صوت» للأشياء الصامتة؛ فهو لا يرسم ما يراه، بل يرسم ما «يشعر به الكائن تجاه وجوده»، وهو ما يجعل من أطروحاته الفنية نصوصًا أدبية، وتمثيلات حالمة يدعمها انحياز إلى التعبير الصادق والسعي في توحد وانسجام لتدفق وجداني يستردف سيكولوجية توظيف المخططات اللونية.
وعبر تدفق منهمر وملكات وجدانية، وفي إعادة لتعريف وظيفة الفن، ارتكن «بوقس» إلى تحرير منهجه الفكري من المحاكاة والتدوين، ليصبح فنانًا «مؤولًا» للواقع وليس «ناقلًا» عنه، لينحاز لرؤية تظهر أعماق الشكل وحقيقته الجوهرية منطلقًا من موضوعات لخصائص وسمات زمكانية تعضد «الهوية» وفق دلالات جمالية وتعبيرية انبرت في عالمه الفريد وأجوائه التي تتزين بالعناصر والمفردات التراثية، وصهرها في لغة بصرية لا يكتفي فيها برسم المبنى والشخوص والنبات، بل يستنطق المعاني الكامنة خلفها، باعتبارها مادة خامًا لتشكيل رؤيته والتأويل الذي يحكي سيرة المكان.
وهو ما يدشن لغة فنية تجعل من «الذاكرة المكانية للمملكة» لبنة أساسية في صرح الفن المعاصر، محولًا المفردات التراثية إلى أيقونات حداثية تشع طاقات التعبير والعاطفة، داخل تكوينات تتكثف فيها المعاني الفكرية المحملة بسمات وعلامات عاطفية، تعزز دينامية العمل وتكويناته، وتحقق التوازن والترديد وضبط الإيقاع، والدرجات اللونية المعززة بالفعل الحركي والتعبير الذي يفصح عن مضمون العمل، وكذا التعليق الشخصي للفنان حول مضامينه، في كلٍّ متكامل متسق الحيوية.
*الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد
إبراهيم بوقس
المصدر – جريدة الرياض

